غسان فوزى طه

45

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )

المنظم ، في مرحلة مبكرة قياسا إلى دول أخرى في المنطقة . لذلك كان من الطبيعي أن تتأثر بعلبك الهرمل بهذه النشأة ، وتترافق مع تطوراتها ومساراتها التي اختلفت بحسب المراحل التاريخية التي كانت تشهدها المنطقة . ومن هنا فإن رصد العمل الحزبي في بداياته وتطوراته ، يستوجب الوقوف على الظروف والمناخات الملائمة التي شكلت الشروط الضرورية لنشأة هذه الأحزاب وتكويناتها المتعددة ، ولأن عملية وجودها واختراقها للبنى القرابية الموجودة كانت بالدرجة الأولى نتيجة للتطورات التي كانت تعكسها الظروف السائدة . ولكي نفهم دور الحركات الحزبية والتأثيرات التي تركتها على البنى القرابية فهما دقيقا ، لابد لنا من رصد العوامل المختلفة التي أدت إلى نشوئها وانقسامها ، في إطار التحديات التي كانت تواجهها البنى القرابية ، بكافة تكويناتها ومستوياتها . 2 - 1 بروز حركة التحديث : لقد نشأت فكرة القومية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بفعل التحولات السياسية والفكرية ، التي نتجت عن حالة التفاعل مع النهضة الأوروبية الحديثة . وكان من أهم هذه التحولات : القضاء على النظام الإقطاعي ، النهضة الأدبية التي مهدت لها البعثات التبشيرية الأوروبية ، ودور البعثات العلمية باتجاه أوروبا التي حملت معها بذور التغيير إلى بلادها ، تطور الصحافة كأساس لنشر الثقافة والمعرفة ، وتأثير ازدياد عمليات الاستيراد والتصدير بين الأسواق العربية والإنتاج الأوروبي على نشأة وظهور الطبقات البرجوازية . إن مجمل هذه التحولات ، أدت إلى بروز وتزايد الشعور بالانتماء القومي العربي داخل السلطنة العثمانية ، التي بدأت منذ القرن التاسع عشر تعيش حالة من الأوضاع المتردية ، مع بدء تململ القوميات داخل الجسم العثماني المريض . فبتأثير التحرك القومي في البلقان ، وتعاظم الشعور القومي لدى الأتراك ، بدأ كثير من العرب المتنورين يتخلون بالتدريج عن حذرهم تجاه الأتراك ، وينمّون بالمقابل شعورا عارما بالانتماء القومي المتميز . وإذا كان نشوء حركة القومية العربية مترافقا مع تلك التحولات ، فإن بلاد الشام كانت مهدا لهذه الحركة ، بسبب انفتاحها على الغرب بشكل أكثر دينامية عكس سائر الولايات العربية الخاضعة للعثمانيين . وكان لبنان من بين بلاد الشام أكثرها تأثرا وتأثيرا في هذا الجانب ، وذلك عائد إلى قدم علاقته التاريخية بأوروبا من جهة ، ولسرعة تقبله لما جاء فيها من معالم نهضوية